علي بن أحمد المهائمي

195

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

نفسه فقد عرف ربّه » ، وهو أعلم الخلق باللّه ، فإنّ بعض الحكماء وأبا حامد ادّعوا أنّه يعرف اللّه من غير نظر في العالم ، وهذا غلط ] . ثم أشار إلى أنه لا يبعد منا أن نفيده صفات بحسب ظهوره فينا بعد وجودنا فقد أفدناه قبل وجودنا ما هو أصل الصفات وأكملها ؛ فقال : ( ثم إن الذات لو تعرت عن هذه النسب ) التي بيننا وبينه في الإيجاد والتكميل وغيرهما ، وهي العلم ، والإرادة ، والقدرة ، والكلام ، وغيرها ( لم تكن إلها ) ، وهي ليست من ذاته فقط بل ( هذه النسب أحدثتها أعياننا ) لتوقف النسب على المنتسبين ، وما توقف عليه الشيء ، فالشيء كأنه محدث به ، وإن كان قديما بالزمان ، فهو حادث بالذات للافتقار إلى الغير ، وصفاته تعالى من حيث هي نسبة تتوقف على أعيان الموجودات . ( فنحن جعلناه بمألوهيتنا إلها ) ، وإن كانت ذاته قديمة بالذات ، وصفاته بالنظر إليها كذلك ، وكذا بالزمان لكنها باعتبار كونها نسبا تتوقف على أعياننا توقفها على ذاته ، والإلهية متوقفة عليها ، فهي أولى بأن تكون مستفادة منا وإذا توقفت إلهيته وسائر صفاته التي لها نسبة إلينا علينا ، ولو بحسب التصور لا في نفس الأمر ( فلا يعرف ) من حيث هو إله ، ويتصف بتلك الصفات ( حتى نعرف قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عرف نفسه ؛ فقد عرف ربه » « 1 » ) فجعل معرفة النفس سببا لمعرفة الرب فتنعدم عند عدم سببها ، ( وهو اعلم الخلق باللّه ) فلا يسمع بإزائه قول غيره ، أنه يعرف من غير معرفة النفس ، ( فإن بعض الحكماء ) كأبي علي بن سينا وأتباعه ، ( وأبا حامد ) الغزالي من الأثر على المؤثر برهان ، إني ومن المؤثر على الأثر برهان لي هو أكمل من الأول ، ( وهذا ) القول منهم ( غلط ) لأنهم إن أرادوا أن المؤثر من حيث هو مؤثر يدل على الأثر فلا شك أن معرفة مؤثريته تتوقف على معرفة الأثر ، إذ التأثير الذي هو جزء مفهوم المؤثر نسبة تتوقف على المنتسبين ، فلا يعرف كونه مؤثرا وإلها بدون الأثر ، وإن أرادوا أن ذات المؤثر إذا عرفت من حيث هي ذات ؛ عرف الأثر فهو ممنوع . [ نعم تعرف ذات قديمة أزليّة لا يعرف أنّها إله حتّى يعرف المألوه ؛ فهو الدّليل عليه ، ثمّ بعد هذا في ثاني الحال يعطيك الكشف أنّ الحقّ نفسه كان عين الدّليل على نفسه وعلى ألوهيّته ، وأنّ العالم ليس إلّا تجلّيه في صور أعيانهم الثابتة الّتي يستحيل وجودها بدونه ، وأنّه يتنوّع ويتصوّر بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها ، وهذا بعد العلم به منّا أنّه إله لنا ] . وإليه أشار بقوله : ( نعم تعرف ذات قديمة أزلية ، لا يعرف أنها إله ؛ حتى يعرف المألوه ) ، وإذا لم يكن لمعرفة الذات القديمة الأزلية من حيث هي ذات دلالة على إلهيتها ،

--> ( 1 ) سبق تخريجه .